
الحلقة الأولى: فكيتوش علينا من هالنڤاحة؟
في أواخر السبعينات و تحديدا منذ أن أقدم المخرج أحمد حرزالله على تقديم برنامجه التلفزي المعروف: “ديوان الفن الشعبي” حدثت نقلة نوعية في مقاربة أهم جهاز إعلامي تونسي لمسألة التعابير الشعرية والغنائية والسردية التفليدية. و لعل هذه النقلة جاءت بعد نفاذ فاعلية التوجهات السابقة في هذا المجال والتي دامت لما يزيد عن عشريتين، والمتمثلة أساسا في البرنامج الإذاعي “قافلة تسير” الذي أشرف على حظوظه تصورا و تخطيطا المختار حشيشة(1920-1983).
المختار حشيشة، هذه الشخصية المتعددة الأوجه، بين التمثيل والكتاية المسرحية –إذاعيا و نلفزيا و ركحيا- والشعر الغنائي خاصة منه الموظف لأهداف الدعاية و تمرير الخطاب السياسي، يُعَد مركزا من مراكز الثقل الأساسية للنخبة “الصفاقسية”- مع الثنائي الهادي السفاري والتيجاني زليلة- لسنوات في دار الإذاعة.
لم يغب البتة على القيادة السياسية “القومية” ما لدار الإذاعة من أهمية استراتيجية في تمرير الخطاب التعبوي والدعائي لتوجهات دولة الاستقلال بعد أن حُسمت لصالح الحبيب بورقيبة معركة الفتنة داخل الحزب الحر الدستوري التونسي. و كان من الضروري “رص” الصفوف لمجابهة أي نشاز أو أي صوت مختلف عن “إجماع الوحدة الفومية”. فبعد أن تمت مواجهة و تكميم الصحافة المكتوبة سواء المتحيزة للشق اليوسفي كالبلاغ و الصباح و النهضة، أو للحزب الشيوعي التونسي (Tribune du progrès) ، تم استقطاب كل من الأصوات كانت من دعائم القسم العربي في دار الاذاعة منذ بدابة يثها تحت الاستعمار الفرنسي لما لهم من الكاريزم و من الخبرة و لما لا كما يقال الله ينصر من صبح كعبد العزيز العروي أو عبدالمجيد بن جدو ، شأنهما في ذلك شأن ناظمي الأعاني والمطربين الذين هبوا لإنتاج مئات الأغاني “الوطنية” منذ حبيبي يا مجاهد إلى نحي السفساري يا سمرة…..
في العهد الإستعماري، كانت تُخصَّص بالإذاعة، لأغاني الأرياف و البوادي حصة أسبوعية يقع بثها يوم الجمعة – و هو نفس اليوم الذي كانت تبث فيه “قافلة تسير”- هذه الحصة التي تدوم قرابة الساعة كانت تقدم بصورة متناوبة من أسبوع لآخر، ألوانا من الأغاني المصاحبة بالزكرة و الطبل يحتل فيها المرحوم اسماعيل الحطاب الخيز الأكبر و ألوانا من إنشاد الموقف أو الغنَّاية أو الأدباء ينشطها كل من سالم بوذينة و المامغلي.
بصورة سريعة لما يقتضيه هذا الفضاء للكتابة، كانت تتبلور شبه استراتيجية للتعامل مع ألوان التعابير الفنية التقليدية ترتكز على محورين أساسيين:
1. المحور الترفيهي في الظاهر و التوظيفي سياسيا في الجوهر: و من أهم التظاهرات المكونة لهذا المحورنجد
أ -احتفالات 3 أوت لعيد ميلاد الرئيس الراحل والتي تشتمل على:
- جانب الشعر بما فيه من عكاضيات و مسابقات يتم ضبط محاورها و تركيبة لجان التحكيم و رصد جوائزها في مصلحة الأدب الشعبي بوزارة الثقافة،
- و الجانب الموسيقي الاستعراضي الذي كان من مهام صالح المهدي.
ب -عكاضيات الشعر الشعبي بالجهات كالقصرين و دوز و المكناسي و مدنين و غيرها و المتمحورة حول محاور السياسة الرسمية.
ج -الإذاعة و التلفزة برنامج قافلة تسير أنموذجا و بعض برامج إذاعة صفاقس.
2. المحور الترفيهي الفلكلوري و الذي يتوجه لقطاعين متباعدين تسبيا لكن مهمتهما متكاملة:
· قطاع الشباب: خاصة بعد صهر كل منظمات الشباب و الكشافة في صلب إتحاد الشباب التونسي (تحت وصاية الحزب الاشتراكي الدستوري) حيث سيكون للنشاط الموسيقي عموما و المتصل بالتعابير التقليدية على وجه التحديد توجهات تعمل أساسا على فلكلرة (Folklorisation) تعابير الوطن و تحويل جزء هام من التونسيين خاصة منهم الشباب “لسياح” ينظرون لذواتهم بأعين مغتربة. وسيكون العمود الفقري لهذاه السياسة، الفرقة القومية للفنون الشعبية و التي سهر على تأطيرها صالح المهدي بالإعتماد على تقنيي كوريغرافيا وقع استجلابهم من المعسكر الشرقي من جهة، والمهرجان الدولي للفنون الشعبية من جهة أخرى.
إلى جانب هذان القطبين لابد من الإشارة لما كان يخدث في منظمات الشبيبة المدرسية و مضائف الشباب والجمعبة التونسية لسياحو الشباب و الفرق الجهوية للفنون الشعبية الخ…
· قطاع السياحة: و ما كانت ،من سوء الحظ، تتطلبه استراتيجيات المشرفين على السياحة التونسية و الذين رغم وجود أسماء من قدماء اليسار التونسي من ضمنهم، تضل اختياراتهم لا ترتقي لما هو أرفع من عقلية أدِللآء السياحة (El Guiyouda) بدأ بالعلوشة وانتهاء بالعشاء “البدوي” في بنت الجديدي مثلا. و قد ساعد هذا على تكاثر الفرق المشوهة لتعابير أصلية بما فيها محرز المساكني و آكل العقارب بالجريد و الراقصات بودورو و طبعا تسود قاعدة التعامل دائما من باب العلوشة و %20.
إذن نرى كيف تتوافق و تتبلور من ناحية الأغراض أو الأهداف التوظيفية لمتطلبات البروبقندا الساسية، و إشباع ميغالومانيا الرئيس الراحل المتضخمة، و تدمير البنية الداخلية للتعابير التقليدية من طرف أصحابها (شعراء و مجموعات غنائية و فرق موسيقية أو رقص) بشراء ضمائرهم، و لما كان و ما زال لسلطة الإشراف من تجاوزخطير في عملية إسناد بطاقات الإحتراف الضرورية لأي طبّال أو زكار أو مزاودي….
تحول السبعينيات من سياسات التخطيط الشمولية لسياسات مخضرمة أو لنقل لبرالية دون أن تفصح عن حقيقتها، جعلت الكثير من هذا البناء يرتج و يهترؤ و بكلمة يصبح مُلغى الفاعلية (Obsolète).
كنت في ذلك الزمن و منذ عودتي من فرنسا مشغولا أساسا بما كانت عليه السياسات الاستعمارية في بداياتها من تدمير للقاعدة المادية للاقتصاد المحلي –مهما كان “متأخرا” و هشا و قابلا للتدمير- و تزامنه مع تقويض هيكلة البنية اللامادية (Déstructuration sociale) من فكر و معارف متصلة بحرف و صنائع و زراعة، إلى جانب إغراق الأسواق المحلية بالمنتجات المصنعة المعوضة لاحتياجات الناس أو التي تم حفزها و إيعازها كاحتياجات جديدة و ضرورية.
عدت إلى تونس و فتحت ورشة للحدادة لأكل العيش و في نفس الوقت لمحاولة لسترجاع التقنيات الحرفية المرتيطة بتحويل مادة الحديد (الفولاذ) في مختلف أوجه حياة الناس من البناء والتشييد للزراعة و الزخرفة و غيرها و لسنوات جمعت صورا لأدوات و أواني و أشياء ضرورية مصنوعة من الحديد تحمل في طياتها معارف ما فتئت تندثر إلى أن امحت ذاكرة الحرفين بانقطاع التواتر و تدمير منظومة الأمين التي كانت تنظم أي نشاط حرفي مهما كان نوعه.
و مزامنة كنت أقوم بتسجيل الشيوخ و العجائز في كل الجهات، و كأني أبحث عن الحلقة المفقودة التي تمكنني من فك رموز مسألة بناء الحداثة و الثقافة الوطنية و تواصل ترابط أجيال الأباء و الأجداد مع الأبناء و الأحفاد….مسألة متشعبة…
في دهليز أبن رشيق و بصورة تطوعية، بنوع منا لمشاركة المورطة مع المرحوم سمير العيادي، كنت أنشط نادي للموسيقى حصل لي الشرف بتعريف جزء هام من التعابير الشعرية والغنائية العربية الملتزمة من مرسال إلى الشيخ إمام و ظفار و اليمن اليمقراطية و كذلك الغناية و الأدباء…
حظر إحدى الحلقات أحمد حرزالله، شخصية عاشقة للسنما تقدمية في تفكيرها و نقابية في سلوكها… كان وقتها- و على إثر أحداث 26 جانفي في الثلاجة (الفريقو) بال إت ت. تجاذبنا أطراف الحديث و أقنعته بتقديم مشروع برنامجه “ديوان الفن الشعبي” و كان الأمر كذلك…
و رحلت بعدها إلى قابس، و شق برنامج سيد أحمد الشاشة الصغيرة ليولد مصالحة التونسي في أعمافه مع صورته على التلفزيون و جاب البلاد طولا و عرضا…
كانت التلفزة تبث لست أدري مناصفة أم أقل برامج باللغة الفرنسية، و إثر برنامج ديوان الفن الشعبي سيقع بث برنامج أرمان جامو (Armand Jammot)الشهير ملفات الشاشة (Les dossiers de l’écran). كان وقتها مدير التلفزة أحد الأصدقاء الأعزاء في مكتبه، رن الهاتف، قيل له بكثير من الحذر و الخوف :” سي فلان” (شخصية سامية جدا في الدولة) أخذ مخاطبه على الخط:
- احتراماتي سيدي….
- فكِّيتوش علينا من هالنڤاحة و سيبتولنا لي دوسير دو ليكران
و احنا حديثنا قياس في كثير من الأحيان ينتابني شعور غريب بأن البعض من أصحابي أو من معارفي المقربين أو من بعيد، أكاد أسمعهم يقولون لي:
برحمة والديك فكِّيتش علينا من هالنڤاحة؟
يتبع